المقريزي

204

إمتاع الأسماع

حتى إذا دنا منه رجع مبهوتا متتقعا لونه من [ هول ] ما قد يبست يداه على حجره ، فلما سأله قومه ما له قال : لما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل . لا والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ، ولا أنيابه لفحل قط ، فهم أن يأكلني . وقد اختار موسى عليه السلام سبعين رجلا من قومه لينفذوا معه إلى ربه تعالى ، فلما صاروا في البرية غلب عليه - عليه السلام - روح القرب ، فأسرع إلى ربه وترك قومه ، فقال له تعالى : [ وما أعجلك عن قومك يا موسى * قال هم [ أولاء ] ( 1 ) على أثري وعجلت إليك رب لترضى ] ( 2 ) ، فعبر عليه السلام عن قصده في العجلة بطلب رضى الله تعالى . ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، أعظم الله شأنه في آيتين ، أعلمه فيهما رضاه عنه ، وأعطاه سؤله ومناه من غير سؤال منه في ذلك ولا رغبة تقدمت منه ، فقال تعالى : [ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ] ( 3 ) ، وقال تعالى : [ ولسوف يعطيك ربك فترضى ] ( 4 ) ، فمنحه الله رضاه ، وأعطاه مناه ، في جميع ما يهواه ويتمناه ، وغيره من الأنبياء سألوا وطلبوا رضا مولاهم ، ومع ذلك فقد خصه الله تعالى مع الرضا بالرحمة والرأفة ، فقال تعالى : [ فبما رحمة من الله لنت لهم ( 5 ) ، وكان رقيق القلب صلى الله عليه وسلم فأمر الله تعالى موسى بالملاينة لفرعون لما كان عليه من الغلظة ، فقال : [ فقولا له قولا لينا ] ( 6 ) ، فذكر تعالى الملاينة ، وأمر محمدا صلى الله عليه وسلم بضد ذلك فقال تعالى : [ واغلظ عليهم ] ( 7 ) ، لما خصه به من الرحمة والرأفة واللين ، كما قال تعالى : [ حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ] ( 8 ) . وقد أكرم الله تعالى موسى بأن قال له : [ وألقيت عليك محبة مني ] ( 9 ) ، قال بعضهم : أحببت إليك عبادتي . وقال لخر : جعل الله بين عينيه نورا لا ينظر إليه أحد إلا أحبه . وقيل : أسكنت بين عينيك ملاحة تسبى بها من رأيته . وقد أوتي نبينا صلى الله عليه وسلم من نظائر هذه الكرامة أشياء منها : أن الله تعالى أقسم بالضحى والليل إذا سجى ، أنه ما ودعه وما قلاه .

--> ( 1 ) تكملة سياق الآية . ( 2 ) طه : 83 - 84 . ( 3 ) البقرة : 144 . ( 4 ) الضحى : 5 . ( 5 ) آل عمران : 159 . ( 6 ) طه : 44 . ( 7 ) التوبة : 73 ، التحريم : 9 . ( 8 ) التوبة : 128 . ( 9 ) طه : 39 .